ابن قيم الجوزية

344

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

تستلزم محبته ترك مخالفته . كمحبة الإنسان ولده وعبده وأمته . فإذا قارنه التعظيم أوجب ترك المخالفة . قال « وهو آخر مقام الزهد للعامة . وأول مقام الزهد للمريد » . يعني أن هذا التوقي والتحرج - بوصف الحذر والتعظيم - : هو نهاية لزهد العامة ، وبداية لزهد المريد . وإنما كان كذلك لأن الورع - كما تقدم - هو أول الزهد وركنه ، وزهد المريد : فوق زهد العامة . ونهاية العامة : هي بداية المريد . فنهاية مقام هذا هي بداية مقام هذا . فإذا انتهى ورع العامة صار زهدا . وهو أول ورع المريد . درجات الورع قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : تجنب القبائح لصون النفس . وتوفير الحسنات . وصيانة الإيمان » . بداية هذه ثلاث فوائد من فوائد تجنب القبائح : إحداها : صون النفس . وهو حفظها وحمايتها عما يشينها ، ويعيبها ويزري بها عند اللّه عزّ وجلّ وملائكته ، وعباده المؤمنين وسائر خلقه . فإن من كرمت عليه نفسه وكبرت عنده صانها وحماها ، وزكاها وعلاها ، ووضعها في أعلى المحالّ . وزاحم بها أهل العزائم والكمالات . ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده ألقاها في الرذائل . وأطلق شناقها ، وحلّ زمامها وأرخاه . ودسّاها ولم يصنها عن قبيح . فأقل ما في تجنب القبائح : صون النفس . وأما « توفير الحسنات » فمن وجهين : أحدهما : توفير زمانه على اكتساب الحسنات . فإذا اشتغل بالقبائح نقصت عليه الحسنات التي كان مستعدا لتحصيلها . والثاني : توفير الحسنات المفعولة عن نقصانها ، بموازنة السيئات وحبوطها ، كما تقدم في منزلة التوبة : أن السيئات قد تحبط الحسنات ، وقد تستغرقها بالكلية أو تنقصها . فلا بد أن تضعفها قطعا ، فتجنبها يوفر ديوان الحسنات . وذلك بمنزلة من له مال حاصل . فإذا استدان عليه ، فإما أن يستغرقه الدين أو يكثره أو ينقصه ، فهكذا الحسنات والسيئات سواء . وأما « صيانة الإيمان » فلأن الإيمان عند جميع أهل السنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . وقد حكاه الشافعي وغيره عن الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم . وإضعاف المعاصي للإيمان أمر معلوم بالذوق والوجود . فإن العبد - كما جاء في الحديث - « إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء . فإن تاب واستغفر صقل قلبه . وإن عاد فأذنب نكت فيه نكتة أخرى ، حتى تعلو قلبه . وذلك الران الذي قال اللّه تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) [ المطفّفين : 14 ] فالقبائح تسود القلب . وتطفئ نوره . والإيمان هو نور في القلب . والقبائح تذهب به أو تقلله قطعا . فالحسنات تزيد نور القلب . والسيئات تطفئ نور القلب . وقد أخبر اللّه عزّ وجلّ أن كسب القلوب سبب للران الذي يعلوها . وأخبر أنه أركس المنافقين بما كسبوا . فقال : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا [ النّساء : 88 ] وأخبر أن نقض الميثاق الذي أخذه على عباده سبب لتقسية القلب . فقال : فَبِما